loader image

اسمي ياسمين ولا أريد تغيير العالم

اسمي ياسمين وما زلت لا أستطيع أن أفرق بين اليسار واليمين أردد؛ اليسار ناحية قلبي الذي أحب وتهشم ومازال ينبض إلى الآن. اليسار ناحية يدي التي أكتب بها عن نفسي وألمي وأحلامي. حين يصرخ أحدهم ” انعطفي يمينا” أحتاج أن أذكر نفسي أين اليسار حتى أعرف اليمين. لم تعد ذاكرتي تحتفظ بالأشياء حتى المهم منها. أحتاج أن أذكر نفسي دائما، تنفسي ببطيء، انظري بعمق، تناولي طعامك، لا تصمتين عن الأذى، كفي عن نظراتك الحالمة، كوني إنسانة جيدة. ترفض ذاكرتي الاحتفاظ بتجارب كانت قوية لدرجة شكلت ما أنا عليه الآن. في رواية كالماء كالشكولاتة كانت البطلة- تيتا- تتذكر المواقف والمشاعر عبر روائح الطعام. تأخذها رائحة طعام ما إلى لحظة سقطت من ذاكرتها تماما أو إلى شخص بكل تفاصيله ومواقفه كأنها ذهبت في رحلة قصيرة إلى الماضي. أتساءل ماذا يعيد إلى الأشياء التي سقطت من ذاكرتي؟ ربما المشاعر. تستطيع ذاكرتي أن تحتفظ بالمشاعر إلى حد يجعلني أطمئن وأخاف في الوقت ذاته.

اسمي ياسمين وحين تقع عيني على أي طفل أبتسم فورا. أبحث عن عيون الأطفال حولي، أرمي الشباك حتى يلتقطوها فينظرون نحوي. ابتسم، فقط ابتسم وفي أغلب الأحيان تعود لي الابتسامة بابتسامة أجمل وأكثر براءة وخفة. أريد أن أخبرهم أنني من عالم الكبار المثير والمخيف لكنني مازلت أستطيع أن أراهم وأشعر برغباتهم في فعل الأشياء التي لا تبدو مبررة في ذلك العالم. أتذكر رامبو، الشاعر الذي قادته طفولته نحو الخلود وقاده عالم الكبار إلى الانتحار. لم يستطع رامبو تصور الحياة دون تلك النظرة التي عرف بها العالم وأحبه ولم يستطع العالم تقبل فكرة أن يظل الطفل داخله حيا لا يقتله النضج ولا تحييه السذاجة. إنه كائن داخل كل منا، يظهر بخفة تجعل للحياة احتمالات أكثر بهجة. أحاول دائما أن أحافظ على الطفلة داخلي كي تظل حرة، منطلقة، حالمة، ألا يقتلها خوفي ولا تقتلني براءتها.

أسمى ياسمين وحين أرى الرموش المتساقطة، أحملها، أغمض عيني وأتمنى أمنية ثم أطلقها نحو السماء. أفعل ذلك كلما رأيت رمشا متساقطا حتى في الأوقات التي تدور بعقلي ألف فكرة وبقلبي ألف شعور. تشعرني تلك الأفعال التلقائية أنني هنا والآن، أنني حقيقية، متصلة مع ذاتي وأن الحياة لم تنتصر على بعد. أقول دائما “لا أريد أن يقتلني الوحش ولا أريد أن أقتله”. أريد أن تمر الأشياء بقلقها وكآبتها وثقلها الذي لا يحتمل. تمر بشكل طبيعي تماما، طويلة، صعبة أو لا تمر على الإطلاق لكن دون أن تقتل إحساسي بالحياة وتجعل ردود أفعالي بلا معنى يخضني . بالنسبة لي يكمن إحساسي بالحياة في الأشياء البسيطة والمعقدة بالقدر ذاته.

  • سأبكي كثيرا لكنني قد أتوقف عن البكاء لحظة حتى أبحث عن دميتي لاحتضنها ثم أعود لأبكي
  • سأغضب بشدة لكنني لن أمنع ضحكاتي إذا فعل أحدهم حركة مضحكة
  • سأغوص في نوبات من الحزن واللامبالاة لكنني سأظل أنتظر القمر كل ليلة وأبتسم لكل سحابة تقع عيني عليها وألمس كل ورقة خضراء تستطيع يدي الوصول إليها
  • سأتحدث بقوة لكنني قد أتوقف لألتقط رمشا سقط فجأة ثم أقدمه إلى صاحبه كي يتمنى أمنية ثم أعود للحديث وكأن شيئا لم يكن.

اسمي ياسمين ولا أريد تغيير العالم. صحيح أنني كنت الطفلة التي تحلم بتغيير أسطوري يقلب الموازين لكنني كبرت لأكون إنسانة تؤمن بأن العالم غير قابل للتغير. مجرد فتاة في عالم واسع، معقد ولا منطقي تماما ترى أن التغير اتجاهه الأول وربما الوحيد هو الداخل. لا أظن الفراشة التي ضربت بجناحيها في الصين كانت تفكر في تكوين إعصار في أمريكا. بالتأكيد كانت فراشة عادية تطير بخفة بين الأزهار كما ينبغي للفراشات أن تفعل. ولأن التغيير شيء حتمي مهما ضاقت نطاقاته، صرت أفكر فقط في الطريقة التي أحرك بها نسمات الهواء حولي بلطف حتى تمس المحيطين بي باللطف ذاته. صحيح أن العالم غير قابل للتغيير لكن حياة كل منا تتأثر بأدق الأفعال وأبسطها، لذا؛ أريد أن أشعل الشموع ولا يعنيني أن ينتهي الظلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة