loader image

إلى أين تقودنا التجربة؟

أخبرني صديقا ذات يوم أن رغبتي في تجربة كل جديد ستقودني حتما إلى الهاوية. أجبته بأنها ستكون هاوية محببة إذا قادني إليها طريق أخترته بوعى. تستهويني التجارب الجديدة منذ طفولتي وأرى أننا خلقنا في الأصل لنختبر الحياة عن طريق التجربة، نختبر مبادئنا ومشاعرنا ومعرفتنا عن أنفسنا وعن العالم. تمنحنا التجارب الجديدة خيارات كثيرة فلا تظل عالقين وسط أشياء لا نحبها بصدق لأننا لا نملك سواها ولا نعرف غيرها. ومع كل تجربة نخوضها نكتسب مناعة من الخوف من التغيير وحين لا يخاف الإنسان من التغيير يسعى نحوه فيكتشف ما قد يجعل حياته جديرة بأن تعاش. أليست الحياة في جوهرها هي أن نشهد موت أنفسنا آلاف المرات كي نولد من جديد في كل مرة؟

كثيرا ما أتخيل مجموعة من البشر يلتفون حول شعلة من النار مع كائنات لم يسبق لها الحياة من قبل، يتحدث كل منهم عن الحياة ليعلم الآخرون عنها. أعتقد أن الشخص الأكثر قدرة على وصف الحياة هو الشخص الذي خاض كلما استطاع من تجارب مادية ومعنوية بروح حاضرة تعطي اللحظات حقها. هو من اختبر تدفق الأدرينالين حين يتحمس والدوبامين حين يفرح، هو من عاش الاكتئاب والحب والفقد والسعادة وانعدام المعنى ووجوده. هو من قرأ وكتب وشاهد وبكى وصرخ وتسلق ورقص وفتح قلبه وزراعيه للهواء والمطر والمحبين.

تجعلنا التجارب التي خضناها بإرادتنا أو دونها نتحدث لغات شعورية تجعل التواصل أعمق دون كلمات كثيرة أو جهد كبير. إذا مررت بتجربة فقد شخص عزيز أو القفز من طائرة محلقة ستدرك أن ثمة لغة خاصة بينك وبين من خاض تجربة مشابهة وكأن الشعور ذاته يثقل الكلمات ويجعلها ذات معنى أعمق. وكلما تحدث الإنسان لغات أكثر نتيجة لتجارب مختلفة، ينضج عقله وتتحطم تابوهات أفكاره فيصير أكثر قدرة على التواصل والتقبل وبالتي أكثر إنسانية لأن تجلي الإنسانية الأعظم يتمثل في تقبل الإنسان للأخرين كما يتقبل نفسه تماما.

لا يعني ذلك أن التجارب الجديدة تحمل في طياتها السعادة أو أن نتائجها محفوفة بالورود. لا تحمل التجارب سوى المجهول والمجهول دائما مخيف وغالبا مؤلم، ولأن المغامرة والتجربة وجهان لعملة واحدة فبالمخاطرة وحدها لا يبقى المجهول مجهولا. قد لا تكون العواقب سارة على الدوام لكنها بالتأكيد ثرية بكل ما تحمله من مشاعر. حتى الألم قد يحمل حكمة تقودنا إلي طريق أجمل مما كنا نسير فيه أو تفتح أعيننا إلى جمال يحيط بينا لم نكن نراه من قبل. صحيح أن سمكة الزينة التي لا تعرف بوجود المحيط تعيش حياة هادئة لكن السمكة التي تعرف المحيط تسطيع أن تحلم به حتى وإن كانت حزينة، ثم من أفترض أن الحياة لابد أن تكون هادئة؟

“قد تكون المعرفة قابلة للتوصيل أما الحكمة فلا” ذلك ما أدركه سيدهارتا -بطل رواية تحمل الإسم ذاته لهرمان هيسه- حين قرر أن يترك عائلته وكل ما يملك ليبحث عن شئ لا يعرف ماهو تحديدا. لم يجد مبتغاه حين تتبع خطا أكثر العارفين حكمة ونهل من معارفه ولا حين صار من علية القوم وغرف من الملذات ما اشتهى ولا حين عاش ساماني متقشفا يهيم بلا شيئ ولا يملك كسرة خبز يقتات بها، لم يجد مبتغاه إلا حين فعل كل ذلك. كان قراره بأن يخوض تجربته الخاصة التي قادته إلى شيئ لم يقده إليه سواها، وقد كان الطريق في ذاته هو الغاية وليس منتهاه. هكذا وصل الحكمة، بالتجربة.

أرجو أن أخبر صديقي يوما ما أنني عشت أكثر مما عاش الحريصين أمثاله، ربما ليس أسعد ولا أفضل ولكن بلا شك أكثر. وأنني سأكون الشخص الذي يجعل أعين الحاضرين تلمع حين أخبرهم عن الحياة ونحن ملتفين حول حلقة النار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة