loader image

الشعر سمائي الغائمة

“الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم”

المتنبي

بدأت علاقتي بالشعر حين وقع ذلك البيت على مسمعي فسحرني وأنا في التاسعة من عمري. أذكر تلك الليلة بكل تفاصيلها. كانت ليلة شتاء باردة. كنت نائمة في فراشي وفوقي بطانية لها نصف وزني تقريبًا وبجانبي كانت شقيقتي – التي تكبرني بسبعة أعوام – تذاكر مقرر اللغة العربية.
حين سمعتها تردد ذلك البيت، رفعت رأسي وطلبت منها أن تكرر ما قالت وكأنها تعويذة سحرية حركت بداخلي شيئا لم يعد لمكانه من وقتها. ظللت أيامًا أطلب منها أن تتلو على” الخيل والسيف” كما كنت اسميه حتى حفظتها من التكرار وتطوعت هي وحكت لي حكاية المتنبي قائل البيت وللمرة الأولى في حياتي انتصر الجمال وصرت “استغفر الله أحب شعر رجل كافر”

“ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي”

عنترة بن شداد

ظلت خيل المتنبي و بيدائه بيت الشعر المفضل لي حتى بلغت الرابعة عشر. وكنت حينها قد قرأت عشرات القصائد للمتنبي وأمرؤ القيس وعنترة وأبو فراس الحمداني وغيرهم وذلك بفضل شقيقي الذي أحب الشعر – لحسن حظي – فملئ مكتبته بأغلب دواوين شعراء الجاهلية فصرت أقرأ كل ما تقع عليه عيني. كنت أفهم الكثير ولا أحبه وأحب الكثير ولا افهمه إلى أن صرت اتذوق الشعر دون عناء فهم أو تكرار. أغرمت بتلك القصيدة لعنترة ولا سيما ذلك البيت حتى صار معنى الحب في نظري.

” من قال إن النفط أغلى من دمي “

فاروق جويدة

في السادسة عشر تعرفت على عالم جديد من الشعر عند بائع الكتب المستعملة الذي صادفته في طريقي للمدرسة. وجدت ديوان لا أذكر اسمه لفاروق جويدة. كتاب صغير له غلاف ازرق يحمل شعرا بلا أبيات ولا قافية، عالم غريب لم أكن اعرف بوجوده وجميل لدرجة أنني لم أخرج منه حتى الآن. عرفت نزار بعدها فأحببته ثم أمل دنقل الذي أبكتني كلماته قبل أن أعرف هل هو رجل أم امرأة وأخيرا محمود درويش الذي وجدت معه ضالتي.

“هل يرانا أم يرى عدما ويأسف النهاية”

محمود درويش

لا عجب أن أول كتاب جديد اشتريته في حياتي كان أعمال درويش الكاملة. كانت مكتبتي حينها عبارة عن فضلات مكتبة أخي وكتب مستعمله اشتريها من صديقي بائع الكتب المستعملة الذي يفترش زاوية من الشارع في طريق مدرستي الثانوية. اشتريت منه مجلدًا صغيرًا له غلاف أحمر يحمل أعمال أمل دنقل الكاملة. ومجلد الأعمال الكاملة أيضا لجبران خليل جبران والإمام الشافعي. لم أصادف الأعمال الكالمة الدرويش كما حدث مع اغلب كتبي بل ذهبت للبحث عنها حين سمعت قصدة “لا أعرف الشخص الغريب”. منذ ذلك الحين وكان درويش وسيظل صديقي المفضل كما كانت وستظل جداريته – في ظل الكلام – رفيقة أصعب أوقاتي وأسعدها. منحني الخوف والأمن والسلام وجعلني أوقن أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

“نجد الإجابة حين ننسى الأسئلة”

أحمد بخيت

كان الشعر صديق مراهقتي. أيام الخميس هي أيام الشعر. منذ منتصف الليل وإلى أن أنام كنت أقرأ وأكتب وأحلم. أكرر القصائد مرارا، لم أكن أدرك ما وراء الكلمات وكان لذلك سحرا يجذبني وحين أدرك ما ورائها يتضاعف السحر دون أن يختفي. صرت أبحث عن القصائد كمان ابحث عن الحب وامتن للجميل منها كما امتن للأصدقاء واحتفظ بها كما احتفظ بأشيائي الثمينة واكتشف فيها كل مرة شيئا جديدا كأنها تبادلني حبا بحب.

“ولكن ذهب كهذا الأزرق اللا نهائي صعب الزيارة”

محمود درويش

الشعر لا يشبه النثر في الوضوح، لا يحمل المعنى الصريح ولا يدخل طبقات العقل الأولى. الشعر يبحر ويبحر إلى المعنى وإلى اللا معنى. شعور تحمله الكلمات قد يصل وقد يصل نقيضه، لا شيئ خاطئ ولا شيئ صحيح. الشعر هو لوني الأزرق وجانبي اللا منطقي وبقعة قلبي الرمادية وعدستي الضبابية على الحياة. الشعر هو ما جعلني موقنة أنني أكثر من شخص داخل هذا الجسد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة