loader image

الموت, هل هناك احتمالات أخرى؟

اختبرت الموت للمرة الأولى وأنا في السادسة حين ماتت جدتي لأبي. لم أهتم حينها سوى برحيله وأنني لن أراها مجددا، كيف ولماذا واين؟ لم أسال ولم يتطوع أحدهم بالتفسير. كنت طفلة فضولية للغاية فلم لم أسأل؟ ربما لأن الأمر قد بدا طبيعيا للغاية وكأنه شي يعرفه كل البشر فلا ينبغي أن أظهر جهلي به أو ربما لأن الدموع في عيون من حولي أخجلت فضولي حتى مات، لكن لنفترض أني سالت، هل يملك كائنا من كان الإجابة حين يتعلق الأمر بالموت؟

كانت اختباراتي التالية للموت أكثر حدة وارتباكا. تتعامل أمي مع الفقد بشكل كارثي فأتناسى حزني حتى اعتني بها. أذكر يوم ماتت جدتي لأمي، رايتها في النعش الأخضر وأمي تصرخ بجانبها، النساء متشحات بالسواد والرجال يتحركون على عجل. ارتبط الموت داخلي بالزحام والافعال غير المبررة والاقارب الذين لا نراهم عادة.
لم يرتبط الموت والفقد داخلي ببعضهما من قبل، قد يبدوان وجهين لعملة واحدة لكن الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك، للموت معنى واضح؛ يرحل الشخص عن العالم ويستحيل التواصل الحسي معه مجددا، أما الفقد فله معان بعدد المشاعر الانسانية كلها، قد يموت شخص ولا نشعر فقده وقد لا يموت ونفقده لذا؛ حين يجتمع الموت مع الفقد يكتسبان ألما مضاعفا وكلما كان الفقد على مستويات أكثر كلما كان الموت كارثة يصعب إحتمالها.

استطيع القول أنني اختبرت الموت بمعناه الحقيقي بفقده واستحالة إدراكه حين فقدت حبيبيا. اخدني الموت على غفلة دون وداع لائق لكنني مع الوقت ايقنت أنه في حضرة الموت ليس هناك وداع لائق. أخذ الموت مني حبيبي وأخذ الفقد مشاعري كاملة وتركت على حافة الطريق بلا صحبة ولا أمل. كمْ مر من الوقت وانا ملقاة هناك بين الإدراك والا إدراك؟ لا أعرف. لا أعرف حتى كيف مر الوقت وماذا حدث خلاله. كل ما أذكر أن الكثير من التساولات كانت تفتك براسي . لماذا لم أكن معه؟ كيف رحل بتلك البساطة؟ هل تألم؟
كفت التساولات داخل رأسي بعد شهور فقط حين أدركت أن لا أحد يملك الإجابة وأن الإجابات في ذاتها لا تهم. حين مات صديقي المقرب بعد عامين من ذلك عادت التساؤلات بداخلي من جديد لكن سرعان ما تبخرت إلا سوال واحد، هل تألم؟ لم نهتم لهذا الحد أن تكون آخر لحظاتهم سعيدة؟ بالنسبة إليهم، لا يشكل ذلك فارقا، لقد رحلوا وصارت الحياة بعذاباتها وسعادتها لا تعني اى شى، الحقيقة أننا نريد لحظاتهم الاخيرة سعيدة كي نسكن ضمائرنا، كي نستطيع الحياة والإحساس بالسعادة مجددا دون شعور بالذنب، تساعدنا الأنانية دائما في إحتمال لامنطقية الحياة.

هل كنت دائما اخف من الموت؟ الخوف من الموت هراء؛ نحن لا نخاف من الموت إنما نخاف من المجهول، من الرحيل من عالم نعرفه وربما نحبه إلى عالم خفي لا تستطيع عقولنا فك شفراته. يشبه ذلك بشكل بسيط الخوف من الظلام فالظلام يحول المعلوم إلى مجهول والانسان دائما عدو ما يجهل. متي بدأ خوفي من الموت؟ بدا منذ طفولتي. كنت اتحسس انفاس امي لاتاكد انها حيه وابكي كثيرا لأن ذلك الوحش سيبتلعنا على غفلة في يوم من الايام اما عن توقفي عن الخوف من الموت فقد حدث حين اتسع عقلي ليشمل بعض احتمالات المجهول

نتيجة لكل ذلك ترقيت إلى درجة خبيرة في الفقد دون أن أعلم او أريد. أهلني لذلك ألمي ودموعي. حين تترقى إلى درجة خبير في شئ مثل هذا لا تكتب إليك جهة ما لتخبرك ولا تتلقى التهنئة ممن حولك، تدرك ذلك فقط من تعامل المحيطين بك، من تساؤلاتهم التي ينتظرون منك الاجابة عليها، من انتظارهم مساعدتك في كل موقف مشابه وكأن معاناتك تحتم عليك أن تخفف معاناة الاخرين. لو يعلمون أن ن الفقد صار خوفي الأعظم وجرحي الذي لا يندمل لجردوني من رتبة خبيرة واعادوني إلى صفوف المتدربين الجدد.
لكن الحقيقة انه بشكل او بآخر يشعر المكلومون ببعضهم أكثر من اى شخصا آخر. نتحدث اللغة نفسها لأننا اختبرنا المشاعر نفسها. لا نحتاج للكثير من الكلمات حين نتواصل حول فقدنا، لا يبدو الكلام بيننا كلام مجرد وانما مشاعر خالصة. حين يقول احدهم قلبي يؤلمني او لا أحتمل المزيد لا نسمع ذلك ككلمات وانما كمشاعر نعرفها تماما فيكون الرد مشاعر مثلها. نستطيع ان نخفف عن بعضنا البعض بشكل حقيقي. فمعرفتك أنك لا تمر بذلك وحدك قد لا تخفف الآلم ولكنها تجعله محتملا.

حين ضممت ابنة عمتي التي فقدت اخاها للتو بكت بقوة رغم تماسكها لساعات، بكت وبكيت دون أن نتحدث. كلانا يعلم أننا نشعر ببعضنا البعض. كلانا يتحدث اللغة ذاتها. صار التواصل بيننا لا يحتاج إلى كلمات. في الثلاث سنوات الاخيرة كنت أهرب من الموت، أختبئ من كلمات العزاء، من المواساة والملابس السوداء. حين أعرف أن أحدهم قد مات، أشعر بأسف بالغ وكأنني مسئولة عن موته بشكل ما. أردد بداخلي انا اسفة، تخرج من أعماق قلبي دون توقف ولا أعرف لما انا اسفة!

تجول براسي الكثير من التساؤلات الآن…
كيف تقنع أحدهم أن الوقت سيمر دون أن تذكر أنه سيحطمه أثناء مروره؟
لم نضع الزهور فوق القبور لتبذل؟
ما هي الأحتمالات الأخرى؟
متى ساتوقف عن الأسف لرحيل من لا املك لبقائه ناقة ولا جمل؟
أذكّر نفسي…
بعض علامات الاستفهام لن تتحول الى نقاط ابدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة