loader image

دوستويفسكي وأرقي الذي لا ينتهي

8:08
حين نظرت للساعة كانت تشير إلى الثامنة وثماني دقائق، لم أفكر أنني متأخرة عن موعدي أكثر من عشرين دقيقة بعدما تعلمت أخيرا أن أحترم مواعيدي، ما جال ببالي أن في هذه اللحظة تحديدا منذ ما يزيد عن مئة وأربعين عاما فارق دوستويفسكي الحياة بعدما اختبر ما يكفي من الضعف الإنساني ونال ما يكفي من الحب بالطبع لم يكن دوستويفسكي يعلم أن اللحظة التي مات فيها ستظل عالقة في فكر فتاة في الطرف الآخر من العالم بعد قرن ونصف من الزمان وأنها- تلك اللحظة تحديدا- ستغير طريقة نظرتها للحياة.

11:08
كثيرا ما يحدث خلط بين الكاتب وكتاباته- ورغم أني لا أفعل ذلك عادة- كنت وما زلت أتخيل راسكولينيكوف بطل الجريمة والعقاب هو دوستويفسكي ذاته، بشحوبه وأمراضه وأفكاره ومشاعره وردائه البالي. صحيح أن دستوفسكي كان يستقي أفكاره من الواقع حوله وما يحدث في حياته لكن لن يكون هو نفسه ما لم يكن يكتب عن ذاته بكل تفاصيلها. التشابه لا يصل أبدا إلى الحقيقة لأن ما يجعل كل منا مختلفا عن الآخر هو تفاصيله الدقيقة. كلنا نأكل، كلنا ننام كلنا نحب، كلنا نتألم ونخاف لكن كيف نأكل، كيف نحب، وكيف نتألم ونخاف هي الأمور التي تجعل كلا منا ما هو عليه.

2:08
لو لم أكن ياسمين بالطبع لن أكون آنا غريغوريغنا زوجة دوستويفسكي. ليس لأنها تزوجت رجلا يكبرها ربع قرن من الزمان ولا لأنها كرست كيانها لدعم عبقريته حتى بعدما فارقها ولا لأنها تحملت سخافات مقامراته التي كادت تفقد صغارها قوت يومهم. بل لأنها اختارت أن تكون ظلا لحياة عظيمة. لا أريد أن أكون ظلا، أريد أن أكون ما يصنع الظل حتى وإن لم ليكن عظيما. لو لم أكن ياسمين كنت سأكون ليلى. لو كنت فتاة أخرى كنت سأكون هزيلة للغاية بسيطة للغاية لا تجذبني الكتابة ولا تسرقني الأفكار، لا أهوى الحب ولا أسعى إلى الحقيقة.

5:08
تحلق فوق رأسي الآن طائرة مرتفعة عاليا، قد تخلق روية طائرة عالية في السماء ألف فكرة في عقل من يراها لكن كل ما دار بعقلي أن هناك طفلا خائفا يبكي على متنها. كان من الممكن أن أفكر في فتى يسافر للمرة الأولى وتلهبه الحماسة أو ربما فتاة ترحل مع حبيبها إلى حيث تحلم منذ طفولتها لكنني اخترت الطفل الباكي. لو كان دوستويفسكي ينظر إلى طائرة تحلق عاليا ربما كان ليفكر بالكونت تولستوي يجلس على مقعد بجانب النافذة يتخيل ملامح وجه آنا كارنينا وهي تلقي بنفسها أمام عجلات القطار أو ربما كان سيتخيل نفسه وهو يحمل كل ما يملك من مال ويتجه إلى ألمانيا ليقامر ويخامره شعور بأن الحظ الذي لم يكن حليفه يوما سكون هذه المرة.

9:08
أنظر للسيجارة في يدي وأتساءل لماذا قد تقبل فتاة تعاني حساسية في الصدر والتهابات في أغشية الرئة وتكره رائحة السجائر على التدخين؟. أجيب، لأن شعوري وأنا أنفث الدخان خارج رئتي يجعلني أشعر أنني أتفاعل مع العالم وأدفع بكل ما لدي في هذا الزفير. مات دوستويفسكي نتيجة لمرض في الرئة بعدما تحسنت صحته لأن العالم لا يكترث لرغبتك في الحياة أو لحالتك الصحية. أخذ النفس الأخير من السيجارة وأتخيل وجهه الحزين وهو يرى الدماء تسيل من فمه ووجه آنا المذهول رغم كلماتها الكاذبة بأنه سيكون على ما يرام.

1:08
أخاف أن أموت وحدي. أسوأ كوابيسي تدور في غرفة فارغة وأنا ملقاة على فراش بارد وحيدة بلا شخص واحد يمسك يدي. لم يكن دوستويفسكي محظوظا في حياته مع أمراضه وديونه وأعدائه لكنه كان محظوظا بما يكفي لتكون آنا بجانه في اللحظة التي فارق فيها الحياة. كانت يدها التي كتبت معظم رواياته تمسك بيده وصوتها الذي طمئن قلبه لأكثر من أربعة عشر عاما يتلو عليه آيات من الكتاب المقدس. أريد أن أموت وأنا أرى الوجه الذي آنس ليلاتي الحزينة وأمسك اليد التي ملئت كاساتي الفارغة واسمع الصوت الذي فصل روحي عن كل عذاباتها الحتمية.

5:08
فوق فراشي بعض اللوحات التي صنعتها بيدي في أكثر فترات حياتي زرقة. كثيرا ما أقف أمامها وأتأمل الألوان الصريحة والخطوط الخافتة. مشهد يذكرني بدوستويفسكي الذي كان يقف ساعات كاملة أمام لوحة عذراء كنسية سيستين لا يحرك ساكنا، مجذوبا بفكرة لم يفصح عنها أبدا. هل يعقل أن تولد لوحاتي الطفولية في نفسي ما ولدته لوحة رفائيل في نفس دوستويفسكي؟ بالطبع لا. لكن قد تكون لأفكار البشر ومشاعرهم المسارات ذاتها بأعماق مختلفة.

8:08
لم أنم منذ أربع وعشرين ساعة. استمع لأصوات هادئة وانثر عطر اللافاندر حوليا ليساعدني على النوم لكن دون جدوى. أرغب في النوم الآن وقائمة من الأمنيات تتردد في عقلي. أتمنى ألا تؤرق اللحظة التي سأموت فيها شخص ما بعد أيام من موتي أو قرون. أتمنى ألا أنظر في الساعة لأحدها تشير إلى الثامنة وثماني دقائق أبدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة