loader image

كونديرا الذي أُحب

كنت أكتب الشعر في طفولتي. ربما مر بكتابة للشعر أغلب من أمتهن الكتابة في مرحلة ما من حياته. فعل كونديرا ذلك، كان يكتب الشعر في شبابه ثم قطع علاقته به كما فعلت انا.لا أعرف دافع كونديرا لكن دافعي كان عدم ايماني بأنني ساكون يوما ما شاعرة. حين نشرت مجموعة شعرية في عامي الجامعي الأول لم أكن سعيدة كما تخيلت. حين كنت أقرأ لدرويش لم أكن أشعر اني انني اسير في الطريق الصحيح. توقفت عن كتابة الشعر لأنني كنت أكتب النوع الذي لا أحب قرائته.

في مراهقتي لم أكن أقرأ الروايات. كنت فكرتي انها مجرد حكاية فلمَ لا اشاهدها في فيلم سينمائي واترك وقت القراءة لما هو أكثر أهمية؟ ثم اكتشفت أن بعض الروايات تحمل ما تعجز عن حمله عشرات الكتب. الم يترك نجيب محفوظ كتابة الفلسفة لأجل تقديم فلسفته في الروايات؟. كان كونديرا أول من جعلني أغرم بهذا النوع من الروايات وايقنت حينها انها شغفي ووجهتي.

حين قرأت روايتي الأولى ” مذكرات رجل ضائع ” بعدما انهيتها، شعرت أنني -اخيرا- في بداية الطريق الذي أحلم بخوضه للنهاية. طريق الغوص في النفس البشرية وتقديم رُأى أخرى في دوافعها وتصرفاتها. يفعل كونديرا ذلك بشكل يُذهلني دائما. يستطيع ان يُكسب أبسط الأشياء معنى عميقا ويلقي بكل ما هو عميق إلى مستنقع التفاهه.يفعل ذلك وهو يحتسي فنجان قهوة على مهل بمنتهى السلاسة فيصدمنا بشكل عادي للغاية

في رواية ” الخلود ” يُقدم كونديرا فلسفة متفردة لكل شخصية من شخصياته مهما بدت هامشية. يتحد مع شخصياته حتى تظنه يقدم فلسفته الخاصة على لسان احداها فتتفاجئ به يهدمها في الفصل القادم على لسان شخصية اخرى. كيف يمكن أن يؤمن بكل شئ في الآن ذاته؟ علينا سؤال كونديرا عن وصفته السحرية.

فنجد مثلا ” آنييس” احد أبطال” ” الخلود ” تمثل مبدأ الطرح في طريق تكوين الهوية. تُسقِط آنييس عن ذاتها كل فعل مكتسب حتى تجرد اناها فتجد جوهرها على عكس ” لورا” اختها التي تمثل مبدأ الجمع حيث تضيف الكثير من الصفات والتفضيلات حتى تخلق انا متفردة، ثم يضرب بكل ذلك عرض الحائط ليثير مخاوفنا. الن يصل بنا الطرح الى فقدان كل شئ حتى تتلاشي انانا؟ والجمع الا يعرضنا لمخاطرة طمس هويتنا وسط الكثير من الإضافات؟ الشئ ونقيضه، إبداء الحل ثم هدمه، الحياة كما نعيشها لا كما ينبغي ان نعيشها؛ ذلك ما يفعله كونديرا ببراعة.

لم أحزن على كتاب انهيته كما أحزن مع كتب كونديرا. حين أصل للصفحة الأخيرة أشعر أنني فقدت شئ يصعب تعويضه. حين قرأت ” كائن لا تحتمل خفته ” للمرة الأولى قررت مع اخر سطر في الرواية أن ألتهم كل ما أستطيع الحصول عليه لكاتبها ثم قرأت أعماله واحدة تلو الاخرى ثم أعادت قرائتهم من جديد. يقولون أن إعادة القراءة مفيدة على مستويات كثيرة لكن مع كونديرا أجد إعادة القراءة قراءة جديدة في كل مرة، كأنها قصيدة تستمتع بها كلما قرئتها.

حين قرأت ” كائن لا تحتمل خفته ” للمرة الثانية كنت قد اخترته وانا مسافرة للبحر. وجدت بين تريزا وتوماس وسابينا ما جعل صوت البحر أكثر عمقا او بمعن أدق جعلني أكثر حساسية لصوت البحر. اختبرت بها الكثير من المشاعر الإنسانية وادركت أن دوافع الأفراد ليست قابلة للإدراك الكامل.

كيف يستطيع أن يرسم شخصيات بهذا التعقيد بهذه الدقة ويظهر في أكثر التصرفات عادية أكثر المبادئ عمقا؟ كيف يستخدم النوم واليقظة والحب والجنس والأحلام والضحك والتفاهة والسياسة واللعب كأنها قطع من اللجو يكوّن بها نافذة تفتح لك عالما جديدا؟ دعونا لا نفتح هذا الباب.

صحيح أنني لم يكن لي يوما شئ وحيدا مفضلا، هناك على الأقل ثلاثة أشياء . أفلام، موسيقى، روايات او كتب لكن حين أفكر في كاتبي المفضل يكون الرد حاضرا؛ إنه ” ميلان كونديرا ” لقد اجتاز – دون أن أقرر – حاجز الحيرة وصعوبة المفاضلة داخلي لأنه قدم لي ما يبدد اى حيرة. أريد أن أكتب مثله حتى أُطلق على نفسي كاتبه وأفخر حين أقرأ اسمي على أغلفة كتبي المستقبلية

One thought on “كونديرا الذي أُحب

  1. May I simply say what a comfort to discover someone that really knows what they are talking about on the internet. You actually realize how to bring an issue to light and make it important. More people must look at this and understand this side of the story. I cant believe you are not more popular since you surely have the gift.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة