loader image

هل يكبر الطفل بداخل كل منا إلى أن يختفي؟

لطالما أحببت اللعب بالتراب منذ طفولتي وما زلت ألعب به كلما استطعت لذلك سبيلا. أجلس على التراب، أحب ملمسه بين يدي ورائحته التي تذكرني بطفولة سعيدة. أمسكه بين أصابعي، ألقيه في الهواء وأراقبه وهو يتساقط ذرات إلى الاسفل.
يقول صديقي العاقل لا تفعلي مثلما يفعل الأطفال لكنني أبتسم وأتسائل لم لا نفعل مثل ما يفعل الأطفال إذا كنا نملك من العقل ما يؤمن لنا الحماية؟
وحين سألته لماذا يلعب الأطفال بالتراب؟ قال بأنه لا يعلم، حتى انا لا أعلم وربما الأطفال أنفسهم لا يعلمون. ربما يلعب الاطفال بالتراب لانهم يريدون ذلك وليس هناك ما يمنعهم من استكشاف العالم والإستمتاع به بعقول فضولية وقلوب لا تهاب الأحكام.

لا تحتفظ ذاكرتي بالكثير من الذكريات حول طفولتي، مجرد مشاهد متفرقة من هنا وهناك ودمية لم تفارقني مذ كنت في التاسعة لكنني أكاد أجزم أنني عشت طفولة طبيعية وهادئة.
شئ وحيد أذكره جيدا، كنت أخاف بشدة أن أنام وحيدة. في أيام كثيرة كنت أظل مستيقظة حتى الواحدة بعد منتصف الليل رغم أني أفيق في السابعة للمدرسة ، أنتظر حتى تقرر أختى النوم فلا أكون وحيدة. وأيام اخرى كانت ابنتة عمي التي تصغرني بست سنوات تجلس بجانبي حتى أنام. ” قومي يا نور نيمي بنت عمك الكبيرة” كان أخي يقول، مازلت أذكر نبرة صوته وملامحة حين كان يقول ذلك. صحيح أنني لم أعد أخاف أن أنام وحيدة بل أفضل ذلك لكن في أوقات قليلة يستيقظ خوفي الصغير ويكون عليّ أن أطمئن نفسي إلى أن أغفو.

أما علاقتي بالأطفال فهي معقدة منذ زمن بعيد. أحب الاطفال لحد يجعلني أعجب احيانا. أتفهم عنادهم ودوافعهم بل واحترمها. أحب أحاديثهم المضحكة، ألعابهم الحماسية وأرواحهم التى مازالت تحتفظ بنور ربهم ولم تتلوث بشرور البشر. وامتلئ فخرا حين أرى أبناء إخوتي يعبرون عن أنفسهم، يقولون لاء ويرفعون أصواتهم الصغيرة بكلمات غاضبة لكنني لا أريد أن أحظى بأطفال يخصونني. أقول لنفسي دائما لما قد أجلب كائن بهذا الجمال لهذا العالم القبيح؟ لما قد أدفع بهم وسط هذا البعث؟ يقول أصدقائي أنني نواة أم جميلة لكن لأنني ربما -ربما- أم جميلة لن أتي بكائنات بريئة لعالم مثل هذا. أقول لنفسي على سبيل المرح ” فلتفكري بطفلك الداخلي , لتعتني به اولا قبل أن تفكري بأطفال آخرين”

كنت اتسائل دائما هل يكبر الطفل بداخل كل منا إلى ان يختفي؟
وجدت بعد الكثير من التجارب داخلي وحولي أن الطفل الذي كانه كل منا لا يختفي، بل يظل هنا يُطل من حين لآخر، يريد أن يفعل الكثير لكنه عالق خالف أسوار البلوغ. مازال فضوليا، يريد أن يشعر بالحياة كما عرفها، بسيطة، سهلة، مليئة بالمغامرات والمتعة، وفاتنة في كافة تفاصيلها. يرد أن يعبر عن ذاته بكلمة أو فعل أو شعور لكنه لا يجد سوى القمع والتجاهل.
ورغم ذلك لن يختفي. صحيح أنه سيصبح غير مرئي لكنه سيظل موجود يحاول أن يظهر في اي صورة كانت, فإذا لم تقدم له مساحته الطبيعية ليعبر عن ذاته سيظهر في مساحات اخري لا تناسب الأطفال كغضب أهوج, تصرفات غير ناضجة و حماقات تنم عن كبته الدائم. لذا أحاول دائما أن أتصل مع الفتاة الصغيرة بداخلي ليس فقط كي أعطيها مساحتها الحرة ولكن لأنني أحبها، أحب نظرتها للأشياء واحساسها بالحياة وأحاول دائما حمايتها بعقل تعامل مع الكثير من الشر وقلب اعتاد أن تملئه الجراح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة