loader image

الساعة الخامسة والعشرون – كيف فقد الإنسان فرديته؟

غلطة واحدة صغيرة لا تُلقي لها بالا، تفعلها بلا وعي وتنساها كأنها لم تكن ثم لا تذكرها مجددا قد تُحدث فارق لا يمكن تصوره لا في حياة الآخرين لعقود وعقود.
يتجلى ذلك في مشهد عابر في رواية الساعة الخامسة والعشرون حين يطرح ضابط شرطة فانتانا سؤال على سوزانا زوجة ايوهان موريتز ما إذا كان وجود زوجها هو سبب رفضها إقامة علاقة معه. ولأن سوزانا لم ترفض بشكل قاطع خيل للضابط أنها ستقبل عرضه في حال رحيل زوجها فعمل على ترحيله كخارج عن القانون مع اليهود عام ١٩٣٩ في رومانيا قبيل الحرب العالمية الثانية وهكذا عاش ايوهان موريتز – الروماني الكاثوليكي – ثلاثة عشر عاما يتنقل بين مئة وستة معتقل بصفته يهودي، هنغاري، نازي، مجرم حرب أو عميل لدول لم يكن يدرك وجودها في العالم.

كانت ثلاثة عشر عاما من العذاب المتصل هم ثمن غلطة لم يفكر فيها ضابط الشرطة مرتين حتى بعدما رفضته سوزانا وهددت بقتله إذا اقترب من منزلها مجددا. وهنا تتجلى الفكرة الكبرى التي تدور حولها الرواية في نظري بداية من الطريقة التي استخدمها ضابط الشرطة لترحيل ايوهان موريتز مرورا بكل معتقل وتهمة ملفقة في رحلته وصولا إلى إجباره على الابتسام وهو ينفجر من الألم حتى تلتقط له صورة لتنشر في الصحف الأمريكية كدليل على عدالتهم. تلك الفكرة هي العداء الجمعي، أن نكره بلا بينه ونشيطن حين نختلف ونصير آلات تحول المعطيات المادية إلى نتائج حاسمة دون مراعاة للعنصر الأهم في المعادلة “إنسانيتنا”. صرنا نعيش في عصر انهار فيه الإنسان وفقد قيمته الفردية وصار دائما جزء من كل يكتسب منه قيمته. دائما تعرّفه الجماعة وتحدد مصيره بلا اعتبار لكينونته وفرديته وبصرف النظر عمن يكون حقا في قرارة نفسه. كأنة مجرد رقم، ترس صغير في آلة ضخمة يجب أن تدور بغض النظر عن أى هدف أو اتجاه.

طرح الكاتب فكرته على لسان تريان كورغا ابن كاهن فانتانا الذي عمل لصالحه ايوهان مورتيز كحراث والذي سٌجن معه في ما بعد دون أن يرتكب أي منهما جرما ما. يخبرنا تريان أن المجتمع التقني لا يعترف بالإنسان ككيان حر مستقل، له حياة حقيقية تمتلك المغذى ولا تخلو من المعاناة بل يراه دائما جزء هامشي لا قيمة له خارج الجماعة التي ينتمي إليها. وهنا يتجلى مفهوم العداء الجمعي حيث نرفض جنسا من البشر بشكل كامل دون أي التفات إلى فردية كل منهم فإذا كنت تحارب اليهود فكل يهودي هو عدوك وإذا كنت تحالف الفرنسيين فكل فرنسي هو صديقك. يقول الرواي على لسان الكاهن والد تريان أحد أبطال الرواية “الفئة هي الخدعة الأكثر وحشية والأشد فظاعة من كل ما اقتحم يومًا عقل الإنسان من آراء. إذ لا ينبغي أن ننسى أنّ عدونا شخص وليس فئة”.

يتغذى العداء الجمعي على التصنيفات. كل كائن بشري لابد أن يكون جزء من تصنيف ما حتى يتم التعامل معه بشكل ألي وفق كتالوج معد سلفًا دون النظر في أمره مرتين. سجن كل من موريتز وتريان فقط لأنهما كانا دائما في الصفوف غير المرغوب فيها. لم يؤذي أي منهما بشرا أو حيوان قط. لم يسرقا، لم ينهبا، لم يخونا ولم يقتلا ومع ذلك لم يعترف بهم المجتمع كبشر يستحقون النظر في أمرهم بشكل فردي. لم يتم النظر لمعاناة كل منهما كمعاناة حقيقية تحدث بلا سبب. في المجتمع التقني يكفي أن تُصنف – بغظ النظر عن صحة التصنيف من عدمها – حتى تعامل كجزء بلا معنى من كل هو الآخر بلا معنى.

تضعنا رواية الساعة الخامسة والعشرون أمام حقيقة صادمة لشدة واقعيتها. تخبرنا أن الإنسان لم يتخلص من بربريته بل ما حدث أنه طور أشكالا عدّة من تلك البربرية فلم تعد تتمثل في التضحية البشرية وسفك الدماء كقرابين وإنما بخلق مواطنون أليين، مجرد نسخ مكررة بأفكار مسمومة ووعي غائب. ثم تتركنا الرواية مع خيباتنا البشرية نتساءل هل هناك وحشية أكثر من أن يفقد الإنسان إنسانيته؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

© 2024 · الكاتبة ياسمين تموز · جميع الحقوق محفوظة